علي بن أحمد الحرالي المراكشي
103
تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي
أما في جهة القلب ، ورؤيا الفؤاد ، فمشاهدة البصيرة لوعود الجزاء ، حتى كأنه ينظر إليه لترتاح النفس لخيره ، وترتاع من شره ، كما قال حارثة : " كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون ، وإلى أهل النار في النار يعذبون " . فأثمر له ذلك ما أخبر به عن نفسه في قوله : " وعزفت نفسي عن الدنيا ، فاستوى عندي ذهبها وخزفها " ، وخصوصا من أيد بالمبشرات من الرويا الصالحة ، والكشف الصادق ، ليدع الفاني للباقي على يقين ومشاهدة . وأما من جهة حال النفس ، فالصبر يحسبها عما تشتهيه طبعا ، مما هو محلل شرعا ، قال ، - صلى الله عليه وسلم - ، لعمر ، رضي الله عنه ، لما رثى لحاله : " يا عمر ، ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة " . { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ } وصبر النفس عن شهواتها ، وإن كانت حلالا ، هو حقيقة تزكيتها ، وقتلها بإضنائها منها هو حياتها ، وإطلاقها ترتع في شهواتها هو تدسيسها : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ( 9 ) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } . والنفس مطية يقويها إنضاؤها ، ويضعفها استمتاعها وحبسها عن ذلك شائع في جهات وجوه الحلال كلها ، إلا في شيئين : في النساء بكلمة الله ، لأنهن من ذات نفس الرجل ، ولسن غيرا لهم . { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } . { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } . والثاني في الطيب لأنه غذاء للروح ، وتقوية للحواس ، ونسمة من باطن الملكوت ، إلى ظاهر الملك ، وما عداهما فالاستمتاع به واتباع النفس هواها فيه ، علامة تكذيب وعد الرحمن ، وتصديق وعد الشيطان : { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ